google.com, pub-5211736085367102, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أخر الأخبار

الكلام الصامت

الكلام الذي يعاندك بصمته هو حرقة بذاتها تجعلك تئن في لحظات لا  يتواجد بها أحد ، سوى ظلام غير عابر يجعلك متكتما مخنوقا يتحدث إليك بشفقة مليئة بنوايا خبيثة مؤلمة ، ينكد عليك حياتك ليحولها لجحيم من  الكوابيس لا تندمل أشواكها إلا بعد ان تسبب لك مرضا أسماه العلم الإكتئاب أو كما أسميه “الكلام الصامت”.

الكلام الذي يعبث معك بلغة الصمت يجعلك ممددا على سرير يتألم منه ظهرك ليلا وكدمات سوداء تحت عينيك لا تدري من أي مصيبة أقبلت، لتصطدم بعدها بألام في المفاصيل او بالأحرى علميا “الروماتيزم”.

الغريب في الامر ان الإكتئاب ومع إختلاف أسبابه ، يحاول جاهد تعليمك ان الصمت عن أتعس أيامك هو الحل المناسب لكل مشاكلك الموجعة التي تحمل معنى “أنت لم تخلق لتكون هنا”، بل وينافقك ليجعلك تعيش في وهم غير بسيط مليئ بالصعوبات والمفارقات العجيبة التي تجعلك قاب قوسين أو أدنى من السكتة الدماغية ، و أوهام مبعثرة على شاكلة لعبة الشطرنج المنظمة في ظاهرها والمبعثرة في باطنها ، مبعثرة بغرابة لغة تفكيكها تحت معاني التحدي للوصول إلى الملك وإسقاطه ، هكذا يبدوا الإكتئاب وسط محيط ربما يفتقر إلى ثقافة الإستماع وليس التنصت .

الكلام الصامت ، له أسرار ومبررات لوجوده عند كل واحد عند كل مخلوق ، فالحيوانات مثلا بعضها يتعرض للإكتئاب يصل الى حد الإنتحار أو الوحدة والإبتعاد عن الإندماج وسط الحيونات الأخرى ، ومع تقدم العلم أصبح للحيوان طبيب نفسي أيضا، طبعا في الدول المتقدمة فكريا ولا أتحدث عن نمو إقتصادها بل بنمو ثقافي عالي جدا ، و مع ان اكثر من نصف بني البشر لا يؤمن بالطب النفسي ، فإن  من يؤمن بذلك كثيرا ما يتعرض لهجوم لادع دائما كوصفه بالمجنون أو مختلا عقليا .

في المغرب مثلا ، أكثر من 65% من المغاربة يعانون من أمراض نفسية من ضمنها الإكتئاب ،  هذه النسبة زدادت بنسبة 16.1% مقارنة بسنة  2016 في السنة الجارية ” وهذه إحصائيات رسمية لائتلاف الجمعيات العاملة لأجل الصحة النفسية “، ولا أحد فيهم يتجرأ على الذهاب إلى طبيب نفسي لتقييم وضعه  الصحي، مع العلم ان رئيس حكومة البلاد يحمل دكتوراه  في الطب النفسي ، بل هو طبيب نفسي له عيادة خاصة سابقا قبل إلتحاقه بعرش الحكومة المغربية،  وكان يعالج المغاربة الذين تفطنوا أن الطب النفسي ليس مجرد علم لعلاج المجانين  ، ومع انه مسؤول كبير في الدولة بل هو رئيس الوزراء الأول ، لم يحاول يوما الجلوس الى وزير الصحة وتقديم  حتى وصاية لنشر ثقافة العلاج النفسي بالبلاد.

الإكتئاب كنسخة مغربية تبدو من قريب ومن بعيد فريدة من نوعها ، ولما لا وكما ذكرت أن أكثر من نصف الشعب منهار نفسيا لسبب شخصي اجتماعي وحتى إقتصادي ، فالمغرب من البلدان التي تحاول تقديم صورة جميلة عن نفسها للخارج ، لكن صورة شعبها غير سالمة من الشوائب الإقتصادية وفي شتى المجالات ، والتي بسببها تجد مغربيا في المقهى بين فنجان بن ودماغ  من الهموم في حجم جبل وسيجارة مرة يستحيل معها العيش كثيرا.

فما وصفته بالكلام الصامت منذ البداية هو الإكتئاب نفسه ، هو خلاصة لحب خالص للأوجاع والسكون في بقاع الافكار البائسة الا متناهية والتي لا سبيل لها ولا نهاية طريق لها سوى الجنون ذاته أو الإنتحار.

لا أعلم إن كان الطب وجد حلا للإكتئاب أو الكلام الصامت غير أدوية تنعكس سلبا على “المعتل” ولربما هذا وصف بشع لي أيضا كشاب تعرض لموقف مثل هذا ، اي بمعنا أخر كواحد من هؤلاء البسطاء و الذي تعرض للإكتئاب بسبب وفاة مخطوبته ، لكن رغم أنه بشع إلا أنه يحمل عنوان ما تعرضت له من  وضع يوجع القلب قبل العقل بسبب الدولة نفسها فلو كانت الإدارات العمومية بالمغرب تقوم بعملها بشكل جيد لربما كانت مخطوبتي على قيد الحياه الأن ، أجل ستسألني كيف تخلصت من مرض الكلام الصامت ؟، أنا لم أتخلص منه لحدود كتابة هذه الأسطر والسبب أننا نعيش في مكان لا يريدك متزنا عقليا ولا متعلما ، لا يريدك أن تفرح بلحظات سعيدة ولا بحلاوة عيشك في أجمل بلد في العالم !! .

لكن عندما تعرف ان توجهك صوب عيادة نفسية سيجعلك تندم على يوم ولادتك تعود خطوات ألف ميل إلى الوراء تاركا خلفك فكرة العلاج النفسي تفاديا للجنون الذي قد يسببه لك المجتمع بنظراته لك كمريض نفسي ، ومع ذلك لا أدعوك إلى التسكع وراء أفكاري او فهمك انني لا أشجعك على الذهاب للعلاج ، لا هذا غير صحيح فأنا أنصحك بالعلاج النفسي فهو دواء فعال، غير أنني لن أشجعك على المنتوج الوطني وحتى إن شجعتك عليه فالحل الوحيد هو “أن تستعين بقضاء حوائجك بالستر” ، فهي خير ما قد يساعدك على تفادي الجنون في واقع ثقافته مشبعة بالكلام الصامت.

حول نورالدين أمزووك

تحقق أيضا

سيدي بيبي:المديرية الاقليمية للمياه و الغابات تغلق أمام ساكنة دوار الرويس الطريق المؤدي نحو شاطئ البحر.

حسن لفجح : يبدو أن وصف الظلم او الحكرة قليل إزاء هذا الفعل المستهتر!! بعدما …

%d مدونون معجبون بهذه: